مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
51
حياة محمد ورسالته
والواقع ان صيغة النبوءة لا تجيز هذا الاستنتاج . فقوله « إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي » كلام هو من الوضوح بحيث يستغني عن كل تعليق . و « العهد الجديد » يذكر ان يوحنا كان مفعما بالروح القدس حتى قبل ان يرى النور . ثم يتكلم عن يسوع نفسه فيقول إنه تلقّى الروح القدس على شكل حمامة . وهكذا فقد كان من دأب الروح القدس أن يلمّ بالناس قبل يسوع كما ألمّ بهم في أيامه . واذن فإلى من تشير هذه الكلمات : « ان لم انطلق لا يأتيكم المعزّي » ؟ لا ريب في انّها لا تشير إلى الروح القدس ، لأن من التجديف ، أو يكاد ، أن نفكر ان يسوع لم يكن مزوّدا بروح قدس . فالاجلال الحقيقي ليسوع يقتضينا ان نؤمن بأن حوارييه أنفسهم ، الذين طهّرت نفوسهم بيد معلمهم العظيم ، كانوا من النقاء بحيث يستحقون أن يكونوا مفعمين بالروح القدس . والقرآن الكريم ، على الأقل ، ينسب إلى أصحاب الرسول محمد مثل هذا النقاء في تعابير واضحة ، حيث يقول : « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ، أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . » * لا ريب في أن كلمتي « الروح القدس » اللتين وردتا في النبوءة أيضا ، إنما أريد بهما ان تشيرا إلى أن النبي الموعود سوف يكون متّحدا بالروح القدس اتحادا غير منفصم بحيث يجعل مجيئه ، مجازيا طبعا ، كمجيء الروح القدس نفسه . وفي النبوءة كلمات أخرى لا تنطبق إلا
--> ( * ) السورة 58 ، الآية 22 .